ابن عجيبة
553
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ترى بعض الناس يقول : لئن ظهر شيخ التربية لنكونن أول من يدخل معه ، فلما ظهر ، عاند واستكبر ، وربما أنكر ومكر . نعوذ باللّه من سابق الخذلان . قال القشيري : ليس لقولهم تحقيق ، ولا لضمانهم توثيق ، وما يعدون من أنفسهم فصريح زور ، وما يوهمون من وفاقهم فصرف غرور . وكذلك المريد في أول نشاطه ، تمنّيه نفسه ما لا يقدر عليه ، فربما يعاهد اللّه ، ويؤكد فيه عقدا مع اللّه ، فإذا عضّته شهوته ، وأراد الشيطان أن يكذبه ، صرعه بكيده ، وأركسه في كوة غيّه ، وفتنة نفسه ؛ فيسودّ وجهه ، ويذهب ماء وجهه . ثم قال في قوله : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا . . إلخ : ما خاب له ولىّ ، وما ربح له عدو ، ولا تنال الحقيقة بمن انعكس قصده ، وارتد عليه كيده ، دمرّ على أعدائه تدميرا ، وأوسع لأوليائه فضلا كبيرا . ه . ثم تمم قوله : إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً بقوله : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 45 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ( 45 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ؛ بما اقترفوا من المعاصي ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ؛ على ظهر الأرض ؛ لأنه جرى ذكرها في قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ « 1 » ، مِنْ دَابَّةٍ ؛ من نسمة تدبّ عليها . قيل : أهل المعاصي فقط من الناس ، وقيل : من الجن والإنس . والمشهور : أنه عام في كل ما يدب ؛ لأن الكل خلق للآدمى . وعن ابن مسعود : ( إن الجعل « 2 » ليعذب في جحره بذنب ابن آدم ) « 3 » ، يعنى ما يصيبه من القحط ، بشؤم معاصيه . وقال أبو هريرة : إن الحبارى « 4 » لتموت هزالا في وكرها بظلم الظالم . ه .
--> ( 1 ) الآية 44 من السورة . ( 2 ) الجعل : حيوان معروف كالخنفساء . انظر النهاية في غريب الحديث ( جعل 1 / 277 ) . ( 3 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 480 ) للفريابى ، وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم ، وصححه . ( 4 ) الحبارى : طائر معروف ، وهو على شكل الإوزة ، برأسه وبطنه غبرة ، ولون ظهره وجناحيه كلون السمانى غالبا . والجمع حبابير ، وحباريات . انظر اللسان ( حبر ) مع تعليق محققه . وقال : ابن الأثير في النهاية ( 1 / 328 ) : وإنما خصها بالذكر لأنها أبعد الطير نجعة ، فربما تذيح بالبصرة ، ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء ، وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام .